First Published 2010-07-31

بالونات.. الفزاعة

 
بقلم: محمد طعيمة

يحاول الأخوان المسلمون، في مصر وغير مصر، الإيحاء بأنهم قوة سياسية كبيرة ومحركة للتغيير. لكن كشف حسابهم السياسي وتاريخهم لا يتطابقان مع ما يدعون.

ميدل ايست اونلاين
بـ"أداء" يُدهشك، تحدث عصام العريان عن "شعبية" البناوية التي خسرتها الثورة، وعن دعم "شعبي" وفره آباؤه لحمايتها. نكتة "الشعبية" أطلقها العريان للإعلامي يسري فوده في حلقة متميزة من برنامجه "آخر كلام" عن ذكرى الثورة.

على لعبة إخوانه الملوّنة للتاريخ وفق هواهم.. عزف العريان. هي ذات نغمة حلقات "الإسلاميون" في الجزيرة، التي روجت لأكاذيب تناقض الثابت تاريخياً، عن دعمهم "الشعبي" للوفد وللحركة الوطنية ضد القصر والاحتلال(!!).

"يسقط صنيعة الاستعمار"، هتاف طارد به "الشعب" حسن البنا حيثما تنقل لعامين سبقا مقتله. الهتاف جاء رداً على ذروة تحالفه الدائم مع القصر.. ضد التوجهات "الشعبية". تهتف الجماهير: الله مع "الشعب"، فيهتف وإخوانه: الله مع الملك. هو ضد الوفد بـ"شعبيته" الطاغية كما ضد تحالف الطلبة والعمال، فمكانه خلف إسماعيل صدقي، عدو "الشعب"، أو في سيارة حكمدار القاهرة، ومن بعده ظل الهضيبي الأول، حتى مايو 1952، يركب سيارات القصر.. إلى التشريفات، ليجدد ولاء إخوانه له.. كلما اشتدت التحركات الوطنية. في الأربعينيات، رشح البنا نفسه مرتين بالإسماعيلية.. مسقط رأس جماعته. في الأولى تراجع مع "تهديد" مصطفى النحاس بفضح مخالفاته المالية، مقروناً بـ450 جنيها قال البنا إنه أنفقها تمهيداً للترشح. مع تراجعه صُدم بعض إخوانه.. وهجروه، فلم يدركوا أنه يعي حجم "شعبيته"، كما تأكد نهاية 1944 مع ترشحه الثاني.. سقط سقوطاً مزرياً.

وقائع تاريخية تسخر من وجود "الشعبية" أصلاً.. بعدها نتحدث عن توظيفها أو مقايضة عبدالناصر بها. نُكمل بواقعتين تاريخيتين، الأولى: أنه لم تخرج مظاهرة "شعبية" أو إخوانية احتجاجاً على قتل البنا، حتى إن خليفته الهضيبي توجه بعدها بأيام، بعفوية الدور، إلى القصر ليجدد ولاءهم لمن "زعموا" أنه قاتل إمامهم.. كأنه حجر أُلقي في اليم. الثانية: اللافت أن اعتقالات وتعذيب عامي 1956 و1965 ضدهم، مع إدانتنا لها، لم تخصم من "شعبية" الزعيم الكاسحة، فلم تلتفت الأغلبية الساحقة لما يحدث لهم.

ينشط البناوية تحت حماية "قصر ما".. ملكياً أو ساداتياً، ودائماً ضد حركة "الشعب". وترتبط شعبيتهم، وجوداً وحجماً، بأجواء الفقر والتخلف.. مقرونة بضعف الدولة. هكذا تجد لهم شعبية نسبية في غزة مثلا... بعكس رام الله. وفي مصر بدأت بتحالفهم مع السادات، ومع مبارك.. استفادوا من تآكل بنى الدولة. وإذا كانت تقديرات معظم المراقبين لحجمهم تتراوح حول ربع المليون مُغيب، فإن جوهر لعبتهم هو "الإيحاء" بوجود أوسع، يعتمون به على عوامل أخرى، منها وجها عملة "الفزاعة".. على الأول تلويحهم للسلطة بالتعاون مع قوى الحراك، وعلى الثاني تلويح اللانظام بخطرهم على مصالح الغرب، رغم خدماتهم التاريخية للاستعمار.

بثقة يحدثونك عن "شعبية" جارفة أوقفها اللانظام عند 88 مقعداً، فينخدع كثيرون. وينسى المخدوعون أنها ابنة صفقة حرام مع الأمن، خانوا بها قوى الحراك، واعترف بها مهدي عاكف. صفقة أجادوا معها توظيف ربع المليون مُغيب، بينما باقي القوى مُقيدة. بعد الـ88، وفي مقر "العربي"، أقر أحدهم بأن ما حصدوه في إحدى دوائر الوجه البحري أكثر من عشرة أضعاف قوتهم الحقيقية فيها.. أعضاء ومتعاطفين، وأن الأغلبية الساحقة كانت "تصويت ضد". في منزل عائلتي ما يؤكد ذلك، به تسعة أصوات.. لم أخرج أنا ولا زوجتي ولا أمي رحمها الله، الباقون صوتوا لأيمن نور "ضد" مبارك.. ولمرشح الإخوان "ضد" الوطني.

فزاعة "شعبيتهم" جزء من تضخيم إقليمي لهم، تكشف تدريجياً في ملاعب تخندقوا، ومازالوا، خلف حكامها. في الأردن: دخلوا البرلمان عام 1956، وترأسه أحدهم لثلاث دورات في التسعينيات. ذروة تمثيلهم 25 نائباً من 110 مقاعد، ثم تراجع. في 2007 رشحوا 22 إخوانياً و5 مستقلين، فاز منهم 6 فقط. بالعراق: تحالفوا مع الاحتلال، باعوا طائفتهم ووفروا غطاء سُنياً لدستور بريمر. ورغم مناشدة القرضاوي للسنة عبر الجزيرة دعمهم في انتخابات 2005، لم يخرج من محافظات السُنة سوى 3%، منها ابتكر بريمر تخريجة ليمنح جبهة التوافق، وفي قلبها إخوان الحزب الإسلامي، 44 نائباً من بين 275 مقعدا.. ومعها منصب نائب الرئيس. في انتخابات العام الحالي، شكّل كبيرهم طارق الهاشمي قائمة "تجديد" وتبرأ منهم، منضماً لتحالف علاوي، فكان نصيب حزبهم.. 4 مقاعد. لبنان: مقعد واحد في آخر انتخابات، ضمن تحالف جعجع الحريري، وقبلها برر محمد حبيب غيابهم بتركهم تمثيل السنة للحريرية. بالكويت: تآكلوا، 6 مقاعد عام 2006.. أصبحت ثلاثة في 2008، ثم مقعدا واحدا العام الماضي.

من بين "إخوانات" الجزائر، يعترفون بـ"حمس".. حصتها صفر في انتخابات 1991، بينما نالت جبهة الإنقاذ 188 مقعداً بالجولة الأولى. أيدوا الانقلاب المدعوم غربياً ضدها، وبرعاية القرضاوي عقدوا صفقة مع النظام. نالوا 61 مقعدا في انتخابات 1995، ثم 34 في 2002، و51 عام 2007 من 389 مقعدا، مع أربع وزارت. لكن حمس تشظت إلى ثلاث كتل.. خصم منها "التغيير والدعوة" 28 مقعدا. المغرب: دخل "العدالة والتنمية" البرلمان عام 1999 بـ14 مقعدا، ثم 42 في 2003، أصبحت 47 في 2007 من 325 مقعدا، مع وزارة التعليم. لكن انتخابات يونيو 2009 البلدية تشي بتآكل حاد في مكانته، مع احتلال "الأصالة والمعاصرة" المقدمة، وتراجع "العدالة" سادساً بعد أن كان ثالثاً.

مصرياً، ومع خصم كتل بعدة ملايين منهم مسبقاً، يبدو ساذجاً من ينخدع بهواء بالونات شعبيتهم. حين يمد يده.. لن يجد السمك في الماء.

محمد طعيمة

m.taima.4@gmail.com